في أغلب الأحيان، تكون الكتابة حاجة، درب من دروب العلاج، مسكّن للآلام أو صديق يحملك بعيدًا عن الكبت المستمر والاحتفاظ بالألم داخلًا. وفي مواقع مختلفة، تكون الكتابة كأس إضافيّة من السعادة، فتكتب سعيدًا ناشرًا للسعادة، نبيّ أو رسول، أو تاجر للمخدّرات. أو في أدقّ وصف: صاحب حانة، لا تمنحهم إلّا ما يملكون في أحشائهم، إذ تقول الرواية إن الكحول يُخرج ما بداخلك فقط، لا يمنحك إلّا بعض الشجاعة لتقول وتفعل ما تفكّر به. ولكن، ما علاقة هذا كلّه بما سيُكتب هنا ؟ لا علاقة. ومن يبحث عن العلاقة بين الجمل، ليخرج سريعًا من هنا، فهذه المدوّنة ليست إلّا مساحة.

الاثنين، 6 يونيو 2016

قصّة شخصيّة: فانوس وموت ورحيل

مرّات، بتمرّ عليك سنوات رهيبة، وبصدق المنجّمون في توقّعاتهم، زي هاي السنة بالضبط لمّا قالولي بكل ثقة: "إنت نجمك رح يلمع السنة، هاي السنة رح تكون ممتازة"، وشو ممتازة طلعت ؟ رهيبة! وفي جزء ثاني بالعالم، بعد ما يعرف كيف مرّ النص الأول من السنة، بقلّك: "النص الثاني رح يكون المنيح". صراحة ؟ منطقيًا، الي صار بأول نص هالسنة المميزة، بدّك تقعد تزبّط فيه لشي 45 نص سنة لقدّام. ع فكرة، استنيت كثير، وأجا الوقت أكتب، أحسن ما أنجن، بيقولوا: الكتابة علاج، ومرّات بيقولوا: الكتابة سلاح. وفي كلا الحالتين، لازم أكتب. ومش دايمًا، بتكتُب حبًا في الكتابة، ممكن تكتب عشان أكل العيش، وساعتها بتكون الكتابة مهنة. ومرّات بتكتب عشان نشوة الكتابة، وساعتها بتكون الكتابة رقص. ومرّات بتكتب عشان الأمل، وساعتها بتكون الكتابة روح. ومرّات بتكتب عشان تحارب، ساعتها بتكون الكتابة سلاح. ومرّات بتكتب عشان تعالج حالك، وساعتها بتكون الكتابة دواء. أنا اليوم، رح اكتب عشان الكتابة علاج.

اليوم، كانت بداية شهر رمضان، والكذب مهما يكون، يتناقض مع العلاج. وبالتالي، فإن هذه التدوينة ستكون خالية منه تمامًا. منذ الأمس، وأنا لا أزال أرى صورًا لفانوس رمضان الي تم نصبه على دوّار مركزي ببلدي عبلين، مع مئات الصور الي شفتها وأهل البلد متجمعين حواليه، يرافق كل صورة تعليق، تعبير عن الشهر الفضيل والحياة، أمّا أنا، فلا تزال تدمع عيني مع كل صورة، حيث هذا الدوّار، القريب من دار سيدي، الي بحد دكّانة أبو بسّام، وبين دار سيدي ودار صديق طفولتي، اليوم، وبهذا الشهر الفضيل، ممنوع أوصله ولا أشوفه. أنا ما بصوم، وكنت كل شهر رمضان أعمل حواليّ 30 طوشة مع إمي عشان أروّح عالبلد، وما كنت أروّح، بس اليوم، هاي البلد، وصولها أهم من أي بلد ثاني: للمرة الأولى بحياتي بفهم شو يعني لاجئ.



قبل 40 يوم من اليوم، انقتل ابن عمّي، وانقتل كمان شاب من عائلة أخرى، لهم الرحمة ولذويهم الصبر. كتبت عن هذا الموضوع، وتمنّيت الرحمة باسمي واسم عائلتي لكلا الفقيدين، وعزّيت كلا العائلتين، ومدّيت إيدي حامل وراها إيدين العائلة الكاملة للصلح. وشو بيصير بعدها، ولا أي شي، سجناء، عائلات لم يبقى فيها أحد سوى رجل في سنوات الستّين من عمره وزوجته التي يعمل قلبها بمنظّم لدقّات القلب، زوجة أخاه، و 3 نساء وأطفالهم يتنقّلون بين البلدات مرحّلين مهجّرين في الشهر الفضيل، أمّا عن هويّة هذه العائلة فها هي: عمّي وزوجته، أمي، أختي وزوجات أبناء عمّي. آه، هاي الحقيقة. وشو المطلوب منّي ؟ أندم عمد إيد الصلح ؟ ولّا أندم على إنّه عمّي أخذ قرار يطلع من البلد ثالث يوم العزاء كبادرة حسن نيّة اختصارًا للشرّ وشتمًا للشيطان ؟ أولهذا لا يزال يتنقّل بين البلدان من بيت لآخر ونساء العائلة ؟ ولا تزال "أوادم" البلد ترفض عودته ؟

طيّب ؟ فانوس رمضان ما بذكّر انه في ناس دمّعت عالموت والتهجير ؟ أنا قلت بأوّل المدوّنة، انها خاليّة من الكذب. وعشان هيك، رح أكون صريح لأبعد الحدود: هذا الي مد إيده للصلح خلال أول يوم، وشتم السلاح والعنف وراح ما يتبرأ من ولاده، عم تتم إعادته لدائرة العنف من أول وجديد. عم تتم عمليّة إعادة تدوير العنف منذ البداية، عم تتم بحقّه عمليّة إعادة صوغ لمفهوم واضح وصريح: العنف والقوّة هو الحل للعودة والحياة. ومش هيك منتخلّص من آفات المجتمع والعنف. التخلّص من آفات المجتمع، ومن العنف بيجي من خلال التسامح ومحاربته، ومش من خلال التهجير والإبعاد. أنا بأول يوم قلت: يدنا ممدونة للسلام والصلح. وأضفت: "يا أبناء هذا البلد، ويا جماهير شعبنا الكرام، نهيب بكم فردًا فردًا بالوقوف للتصدّي لثقافة السلاح، والعنف والقتل أولًا. ومن ثم بقاؤكم إلى جانبنا حتى مرور هذه الأزمة لنقلع جذور العنف من مجتمعنا، نحن وأنتم". وأخذت قراري، بعد غياب 8 سنين عن البلد، أرجع عليها، عشان أكون في طليعة المحاربين عشانها، وعشان أكون أنا وأبناء بلدي، في صف محاربة العنف والسلاح والتخلّف. وشو الي عم يصير بعد 40 يوم ؟

بس عشان يكون واضح، أعزائي جاهات الصلح، أهل البلد، "الأوادم"، لا يقبلها حرّ أن تبقى العائلة في هذه الحال بينما تضيؤون فانوس الشهر الكريم سعداء تحت شعار "عبلين الحياة"، ولن يقبلها مؤمن وغير مؤمن، ولا أكتب إلّا من وجع، وجع على المستقبل والحاضر، فالماضي أصبح خلفنا، فلا تجعلوا من المستقبل أسوأ. اليوم، أنا بوضع، بقدر أشوف شو يعني خبر قتل شاب بوسائل الإعلام، الي بتنشر الخبر وما بتنشر أي من تبعاته، وسائل الإعلام الي اشتغلت فيها وبعرف كيف بتشتغل، وبعرف سياسة "المشاهدات". وشخصيًا، هاي المدوّنة بس فشّة خلق، لا فيها ولا عقلانيّة ولا تحليل، بس الأكيد: في تحليل جاي عالطريق عقلانيّ كفاية. وفي صراع جاي كبير مش صغير، مع كافة المؤسسات والهيئات الي اذا هيك شغلها فعليًا، فهمت ليش العنف في تزايد. ولمّا بدّي أعلن حربي عالعنف والقتل، مش رح ارحم حدا.  


هناك تعليق واحد: